علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
127
سيد قطب
--> - والقوانين الطبيعية لا تملك حتميتها المستقلّة المنظورة فيما ينفي قَدَر اللَّه وغيبه ، فإنّ التحليل العلمي نفسه يقود إلى تأكيد هذا الغيب في صميم الطبيعة وفي تركيب قوانينها العاملة . وإنّ تجاوز الاستسلام للأسباب الظاهرة هو الفعل التاريخي والعقيدي الوحيد الذي يحرّر الإنسان ويمكّنه في الوقت نفسه من صياغة وجوده ومصيره بما يشبه القفزات ، إنّه ليس ثمّة ( عبودية ) أبداً لغير اللَّه ، لا للأسباب الحتمية ، ولا لإرادة الطبيعة ، ولا لغيرها من المسمّيات . وذلك هو ملمح أساسي أصيل يفرّق بين التفسير الإسلامي للتاريخ وبين غيره من تفاسير الكَهَنَة والوضّاعين . ولنتابع بعض التفاصيل ممّا يريد سيّد أن يقوله : « ليس الاتّكال على اللَّه وحده بمانع من اتّخاد الأسباب . فالمؤمن يتّخذ الأسباب من باب الا يمان باللَّه وطاعته فيما يأمر به من اتّخاذها ، ولكنّه لا يجعل الأسباب هي التي تنشِئ النتائج فيتّكل عليها . إنّ الذي ينشِئ النتائج - كما ينشِئ الأسباب - هو قدر اللَّه ، ولا علاقة بين السبب والنتيجة في شعور المؤمن . اتّخاذ السبب عبادة بالطاعة وتحقّق النتيجة قدر من اللَّه مستقلّ عن السبب لا يقدر عليه إلّااللَّه . وبذلك يتحرّر شعور المؤمن من التعبّد للأسباب والتعلّق بها ، وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاقته لينال ثواب طاعة اللَّه على استيفائها . ولقد ظلّت الجاهلية ( العلمية ! ) الحديثة تلحّ فيما تسمّيه ( حتمية القوانين الطبيعية ) ، ذلك لتنفي ( قدر اللَّه ) وتنفي ( غيب اللَّه ) ، حتّى وقفت في النهاية عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها أمام غيب اللَّه وقدر اللَّه وقفة العاجز عن التنبّؤ الحتمي ، ولجأت إلى ( نظرية الاحتمالات ) في عالم المادّة . فكلّ ما كان حتمياً صار احتمالياً ، وبقي الغيب سرّاً مكتوماً ، وبقي قدر اللَّه هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة ، وبقي قول اللَّه سبحانه : ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ) ، هو القانون الحتمي الوحيد الذي يتحدّث بصدق عن طاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التي يدبّر اللَّه بها هذا الكون بقدرة النافذ الطليق . هذه هي النقلة الضخمة التي ينقلها الاعتقاد الإسلامي للقلب البشري وللعقل البشري أيضاً ، النقلة التي تخبّطت الجاهلية الحديثة ثلاثة قرون لتصل إلى أُولى مراحلها من الناحية العقلية ، ولم تصل إلى شيء منها في الناحية الشعورية ، وما يترتّب عليها من نتائج عملية خطيرة في التعامل مع قدر اللَّه والتعامل مع الأسباب والقوى الظاهرية . إنّها نقلة التحرّر -